خواجه نصير الدين الطوسي

190

تلخيص المحصل المعروف بنقد المحصل

وعندهم أنّ السماوات قديمة بذاتها وصفاتها المعيّنة ، إلّا الحركات والأوضاع ، فانّ كلّ واحد منها حادث ومسبوق بآخر ، لا إلى أوّل . وأمّا العناصر فالهيولى فيها قديمة بشخصها ، والجسميّة قديمة بنوعها ، وسائر الصور قديمة بجنسها ، اى كانت قبل كلّ صورة صورة أخرى ، لا إلى نهاية . وأما القسم الثالث فهو قول الفلاسفة الذين كانوا قبل أرسطاطاليس بالزمان ، كتالبس وانكساغورس وفيثاغورس وسقراط ؛ وقول جميع الثنويّة ، كالمانويّة ، والديصانيّة ، والمرقونيّة ، والماهانيّة . ثمّ هؤلاء فريقان : الفرقة الأولى الذين زعموا أن تلك المادة جسم . ثمّ زعم تالس : أنّه الماء ، لأنّه قابل لكلّ الصور ؛ وزعم أنّه إذا انجمد صار أرضا ، وإذا لطف صار هواء ، ومن صفوة الهواء تكوّنت النار ، ومن الدخان تكوّنت السماوات . ويقال : إنّه أخذه من « التوراة » ، لأنّه جاء في السفر الأوّل منها : « إنّ اللّه تعالى خلق جوهرا فنظر إليه نظر الهيبة فذابت أجزاؤه فصارت ماء . ثمّ ارتفع منه بخار ، كالدخان ، فخلق منه السماوات ، فظهر على وجه الماء زبد ، خلق منه الأرض ، ثمّ أرساها بالجبال » . وزعم أنكسمايس : أنّه الهواء ، وكوّن النار من لطافته . والماء والأرض من كثافته . وزعم أبرقليطس : أنّه النار ، وكوّن الأشياء عنها بالتكاثف . وآخرون قالوا : إنّه الأرض ، وكوّن الأشياء عنها بالتلطيف . وآخرون : إنّه البخار ، وكوّن الهواء والنار عنه بالتلطيف ، والماء والأرض بالتكثيف وعن أنكساغورس : أنّه الخليط الذي لا نهاية له ، وهو أجسام غير متناهية . وفيه من كلّ نوع أجزاء صغيرة متلاقية أجزاء على طبيعة الخبز وأجزاء على طبيعة اللحم . فإذا اجتمع من تلك الأجزاء شيء كثير وصار بحيث يحسّ ويرى ظنّ أنّه حدث . وهذا القائل بنى على هذا المذهب انكار المزاج والاستحالة ، وقال بالكمون والظهور . وزعم بعض هؤلاء : أنّ ذلك الخليط كان ساكنا في الأزل ، ثمّ إنّ اللّه تعالى حرّكه ، فكوّن منه هذا العالم . وزعم ديمقراطيس : أنّ أصل العالم أجزاء